البغوي

75

شرح السنة

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : وَالَّذِي عِنْدِي أَن هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّمَا جرت مَعَهُ أَيَّام مهادنة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُود وحلفاءهم ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْد مقدمه الْمَدِينَة كتب بَينه وَبينهمْ كتابا صَالحهمْ فِيهِ عَلَى أَن لَا يهاجوا ، وَأَن يتْركُوا عَلَى أَمرهم ، وَكَانَ ابْن الصياد مِنْهُمْ ، أَوْ دخيلا فِي جُمْلَتهمْ ، وَكَانَ يبلغ رَسُول اللَّهِ خَبره وَمَا يَدعِيهِ من الكهانة ، ويتعاطاه من الْغَيْب ، فامتحنوه بِذَلِكَ ليروز بِهِ أمره ، ويخبر بِهِ شَأْنه ، فَلَمَّا كَلمه ، علم أَنَّهُ مُبْطل ، وَأَنه من جملَة السَّحَرَة أَوِ الكهنة ، أَو مِمَّن يَأْتِيهِ رَئِيٌ من الْجِنّ ، أَوْ يتعاهده شَيْطَان ، فيلقي عَلَى لِسَانه بَعْض مَا يتَكَلَّم بِهِ ، فَلَمَّا سمع مِنْهُ قَوْله الدخ ، زبره ، فَقَالَ : « اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك » ، يُرِيد أَن ذَلِكَ شَيْء أَلْقَاهُ إِلَيْهِ الشَّيْطَان ، وأجراه عَلَى لِسَانه ، وَلَيْسَ ذَلِكَ من قبل الْوَحْي السماوي ، إِذَ لَمْ يكن لَهُ قدر الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ يُلْهمُون الْعلم ، ويصيبون بِنور قُلُوبهم الْحق ، وَإِنَّمَا كَانَتْ لَهُ تارات يُصِيب فِي بَعْضهَا ، ويخطئ فِي بَعْض ، وَذَلِكَ معنى قَوْله : « يأتيني صَادِق وكاذب » ، فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ : خلط عَلَيْك ، فالجملة من أمره أَنَّهُ كَانَ فتْنَة قَدِ امتحن اللَّه بِهِ عباده الْمُؤْمِنِينَ ، ليهلك من هلك عَنْ بَيِّنَة ، وَقَدِ امتحن قوم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِي زَمَانه بالعجل ، فَافْتتنَ بِهِ قوم وأهلكوا ، وَنَجَا من هداه اللَّه وَعَصَمَهُ مِنْهُمْ . وَقَدِ اخْتلفت الرِّوَايَات فِي أمره ، وَفِيمَا كَانَ من شَأْنه بَعْد كبره ، فَروِيَ أَنَّهُ قَدْ تَابَ عَنْ ذَلِكَ القَوْل ، ثُمَّ إِنَّه مَاتَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهُمْ لما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ ، كشفوا عَنْ وَجهه حَتَّى رَآهُ النَّاس ، وَقِيلَ لَهُمُ : اشْهَدُوا .